أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

338

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

كل جزء من أجزاء الوقت سواء كان أولا أم آخرا إذا نقص ذهب التمام . الرابع : أن ينتصب على التمييز . قال الشيخ : « والأصل : فتمّ أربعون ميقات ربه ، ثم أسند التمام إلى ميقات ، وانتصب « أربعون » على « التمييز » . فهو منقول من الفاعلية ، يعني فيكون كقوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ، وهذا الذي قاله وجعله هو الذي يظهر يشكل بما ذكره هو في الرّد على الحوفيّ ، حيث قال - هناك - : « إنّ الثلاثين لم تكن ناقصة فتتم » . كذلك ينبغي أن يقال هنا : إن الأربعين لم تكن ناقصة فتتم ، فكيف يقدر : فتم أربعون ميقات ربه ؟ فإن أجاب هنا بجواب فهو جواب هناك لمن اعترض عليه وقوله : فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ في هذه الجملة قولان : أظهرهما : أنها للتأكيد ، لأن قوله قبل ذلك : وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فهم أنها أربعون ليلة ، وقيل : بل هي للتأسيس ، لاحتمال أن يتوهم متوهم بعشر ساعات ، أو غير ذلك ، وهو بعيد جدا . وقوله : « رَبِّهِ » ولم يقل : « ميقاتنا » جريا على « وعدنا » ، لما في إظهار هذا الاسم الشريف من الاعتراف بربوبية اللّه له ، وإصلاحه له . قوله : « هارُونَ » الجمهور على فتح نونه ، وفيه ثلاثة أوجه : الأول : أنه مجرور بدلا من « أخيه » . الثاني : أنه عطف بيان له . الثالث : أنه منصوب بإضمار أعني . وقرىء شاذا « هارون » بالضم ، وفيه وجهان ، أحدهما : أنه منادى حذف منه حرف النداء ، أي : يا هارون ، كقوله : يُوسُفُ أَعْرِضْ . والثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو هارون ، وهذا في المعنى كالوجه الذي تقدم من أنه منصوب بإضمار أعني ، فإنّ كليهما قطع . وقال أبو البقاء : « ولو قرىء بالرفع . . . » فذكرهما ، كأنه لم يطلع على أنها قراءة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 143 ] وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( 143 ) قوله : لِمِيقاتِنا . هذه اللام للاختصاص ، وكذا في قوله تعالى : لِدُلُوكِ الشَّمْسِ وليست بمعنى عند كما زعم بعضهم . قوله : « أَرِنِي » مفعوله الثاني محذوف ، والتقدير : أرني نفسك ، أو ذاتك المقدسة ، وإنما حذفت مبالغة في الأدب ، حيث لم يواجهه بالتصريح بالمفعول . وأصل « أَرِنِي » : أرءني فنقلت حركة الهمزة ، وقد تقدم تحريره . قوله : لَنْ تَرانِي « لَنْ » قد تقدم أنه لا يلزم من نفيها التأبيد ، وإن كان بعضهم فهم ذلك ، حتّى أن ابن عطية قال : فلو بقينا على هذا النفي بمجرده لتضمن أن موسى لا يراه أبدا ، ولا في الآخرة ، لكن ورد من جهة أخرى الحديث المتواتر أن أهل الجنة يروونه قلت : وعلى تقدير أنّ « لَنْ » ليست مقتضية للتأبيد ، فكلام ابن عطية وغيره